منتديات الصمود الحر الشريف
زيارتكم تسرنا * ومشاركتكم لنا بالتسجيل والمساهمة في منتدياتنا تسعدنا * حللتم أهلا ونزلتم سهلا في منتدياتكم الصامدة الحرة الشريفة

منتديات الصمود الحر الشريف

هذه المنتديات تجمع الشرفاء والشريفات الذين يناضلون من أجل القضايا العادلة في فلسطين والعالمين العربي والإسلامي والعالم بأسره بالوسائل التعبيرية الشريفة والشرعية - لا تتحمل إدارة المنتديات مسؤولية ما ينشر فيها مما لا يعبر عن رأيها بالضرورة
 
الرئيسيةجديد اليوم*س .و .جبحـثالتسجيلدخول

وضع الأمريكان دستور العراق ........................... وضع الروس الآن دستور سوريا ..................... ربما هذا يعني أن سوريا من نصيب روسيا في مشروع الشرق الأوسط الجديد .............. لقد بدأ العد العكسي لزوال الدول العربية نهائيا من خريطة العالم

شاطر | 
 

 جورج أوغست والين (عبد الوالي، 1811-1852)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
jalili
عضو ذهبي
عضو ذهبي
avatar

عدد المساهمات : 346
تاريخ التسجيل : 14/07/2010

مُساهمةموضوع: جورج أوغست والين (عبد الوالي، 1811-1852)   السبت نوفمبر 12, 2011 7:56 pm

جورج أوغست والين (عبد الوالي، 1811-1852)




بروفيسور حسيب شحادة


جامعة هلسنكي

وُلد هذا المستشرق والرحّالة والحاجّ والرائد الفنلندي المعروف Georg August Wallin في بلدة سُنْد في أرخبيل أولاند في 24/10/1811



ومات في هلسنكي في 23/10/1852 وهو أعزبُ. انتقلت أسرته للسكن في مدينة توركو الواقعة في غرب فنلندا سنة 1817. اتّسم ڤلين منذ نعومة أظفاره بالشجاعة والاستقلالية وحبّ الرياضة لا سيّما السباحة والملاحة. في سنة 1829 توجّه والين إلى هلسنكي، ابنة البلطيق، العاصمة الجديدة للبلاد، لدراسة الفلسفة واللغات الكلاسيكية، اليونانية واللاتينية، والشرقية مثل العربية والفارسية والتركية في الجامعة التي حملت آنذاك الاسم “جامعة ألكسندر”. ثم سافر إلى جامعة بطرسبورغ وتتلمذ على يد الشيخ محمد عياد الطنطاوي (١٨١٠-١٨٦١) لمدّة عامين. ويبدو واضحا أن أحاديث الطنطاوي وحكاياته عن بلده مصر والعالم العربي قد أثرت على والين، الباحث الفنلندي الشاب. كما ودرس والين الفارسية هناك في معهد الاستشراق عند الإيراني مِرْزا إسماعيل. لقد تعلّم والين بنفسه الفرنسية والألمانية والإنجليزية ومن ضمن ما درس والين في هلسنكي خلال سبع سنوات، مقامات الحريري وحكايات ألف ليلة وليلة. أستاذه وصديقه في هلسنكي كان أستاذ اللغات الشرقية، Gabriel Geitlin, 1804-1871. وفي حياته الجامعية كان والين مولعا بمطالعة كتابات غوته وروسو وشيلر ووالتر سكوت. حصل ڤلين على شهادة الماجستير عام 1836 وعمل في مكتبة الجامعة وبعد ذلك بثلاث سنوات نال شهادة الدكتوراة الأولى التي كان موضوعها أوجه الاختلاف بين العربية الكلاسيكية الفصحى واللهجات العربية الحديثة، وكتبت باللغة اللاتينية تحت العنوان: De praecipua inter hodiernam Arabum linguam et antiquam differentia ونُشرت عام 1839.
أعدّ ڤلين ذو الحسّ الفني والموسيقي المرهف العدّة للقيام بالرحلة إلى بلاد العرب رغم الصعوبات والمخاطر الجمّة لمثل هذه المشاريع في منتصف القرن التاسع عشر. تقدّم ڤلين بطلب للحصول على منحة لزيارة مصر. كما وأنه شرع بالاطلاع على أسس العلاج الطبي مدة نصف سنة ليسافر طبيبا كما أن عمله في المستشفيات في هلسنكي أتاح له الفرصة للتعرف على بعض الجنود المسلمين في الجيش الروسي ومن ثم على الدين الإسلامي والكثير من العادات والتقاليد الإسلامية التتارية. في الثاني من كانون الثاني عام 1851 عُيّن أستاذا لكرسي الآداب الشرقية في جامعة هلسنكي.
في منتصف عام 1843 بدأ ڤلين رحلته ووصل شاطىء الإسكندرية في أواخر العام ذاته. ثم انتقل إلى القاهرة واستأجر مسكنا في البازار بعد جهد جهيد بمبلغ مائة قرش شهريا. وهناك تابع والين تعلّم العربية على معلم خاص وتعلم العزف على الناي أيضا وكان يقضي الكثير من وقته في المقاهي وفي الاختلاط مع عامة الشعب والسلوك مثلهم وكانت له بعض المغامرات العاطفية. من أقوال ڤلين ذات المسحة الرومنسية في تلك الفترة ما معناه: ”لا شيء أكثر روعةً من عيون المرأة الشرقية، ولستُ أدري إن كنتُ قد شاهدت حقّاً جمالا أنثويا قبل أن أحضر إلى هنا“.
وخلال مكوثه في القاهرة بلغ هذا المستشرق مرحلة متقدمة في رحلة معرفته للغة العربية كما واطّلع على فنون الخطّ العربي والزخرفة الإسلامية. مما يُروى عنه أنه أحبّ حديقة الأزبكية التي قضى فيها معظم أوقاته واصفا إياها بـ”واحة خضراء”. لا غرابة في ذلك، فهذا الفنلندي كان مولعاً بالطبيعة والتجوال في أحضانها. يُقال إنه في هذه الفترة تأسلم ڤلين وأصبح اسمه الجديد “عبد الوالي” وأخذ بارتداء الزيّ العربي والتصرف كعربي مسلم وشكله الخارجي وبشرته السمراء ساعداه على ذلك.
وصل ڤلين عبر النيل إلى أعماق النوبة حوالي ألف كيلومتر من القاهرة، ودوّن انطباعاته وملاحظاته بشأن معيشة الفلاحين والمعالم الأثرية في الأُقْصر. كما وأشار هذا الرحّالة الفنلندي إلى أن هناك عداوة مستديمة بين الفلاح والبدوي. قام عبد الوالي أو عبد المولى كما دعاه الوهّابيون برحلتين إلى الجزيرة العربية، بدأت الرحلة الأولى في 12/4/1845 والثانية عام 1847. نقطة انطلاقه في كلتا الرحلتين كانت مدينة السويس. ففي الرحلة الأولى وصل إلى مَعان في 30/3 ثم بادية الشام فالجوف فالجبة فقنا فجبلي أجا وسلمى معقل قبائل شمّر فالكبّ فالحائل فالمدينة المنوّرة فمكة المكرمة حيث قام بفريضة الحج.
عن معان يقول: “ومعان (بفتح الميم) هو الاسم الذي يطلقه اليوم جميع العرب على هذه البلدة بدلا من معان (بضم الميم) الذي ذكره جغرافيّوهم القدماء ... ومعان الحالية من أكبر البلدان على طريق الحجّ السوري، فيها مائتا عائلة تقريبا تتحدر من سبعة بطون مختلفة، وقد اختلطت بالمهاجرين النازحين إليها من شتّى القرى السورية. وهم أقوياء البنية، سوريو الملامح، يستطيعون تعبئة قوة مقاتلة قوامها مائة وخمسون مقاتلا ... وهناك قلعة قديمة واحدة وأخبرني الأهلون أن بانيها هو السلطان سليمان التركي. وعن مدينة الجوف، حيث أقام أربعة أشهر تقريباً، يقول إنها مكونة من اثني عشر حيا تسمّى أسواقا ويتحدّر أهلوها الأقدمون من الأصل السوري وأكل من تمر الجوف وتيماء. وأهل الجوف مضيافون لا نظير لهم ولا يرحلون ويتحلون بمواهب شعرية ويجيدون الغناء بمصاحبة الربابة، تلك الآلة اليدوية الرتيبة والساحرة. وعن جبّة التي وصلها بعد انطلاقه من الجوف بـ 87 ساعةً يقول بأن فيها 170 بيتاً وجلّ سكّانها من قبيلة أرمال.
والجدير بالذكر أن عبد الوالي قد كتب صفحاتٍ كثيرةً عن تقاليد قبائل شمّر وغزواتهم. اعتبر عبد الوالي منطقة نجد وبلاد الجبلين من أفضل بلاد العرب. استغرقت رحلته من حائل إلى مكّة عبر المدينة 85 ساعة على الجمال القوية.
في أواخر عام 1847 بدأ ڤلين رحلته الثانية من القاهرة إلى السويس فالمويلح على الشاطىء الغربي من الجزيرة العربية فتبوك فتيماء فجبلي اجا وسهى فقفار فحائل فمشهد في العراق. من مشهد في العراق إلى السويس فحائل فالنجف التي وصلها في 15/3/1848. وعن بلدة تبوك قال إنها مؤلفة من ستين منزلا في وسط سهل فسيح يُدعى همادة تبوك. بنو عطية هم أهل البلدة. أما عن تيماء فيقول إن عدد سكانها يقدّر بمائة عائلة من الشمّر وأصلهم من بطنين علي وحمدة. يتبع بنو شمّر زعيمهم ابن الرشيد في نجد وهم من الوهابيين. هناك مساحات شاسعة مغروسة بأشجار النخيل ويذكر ڤلين أن تمر ”الحلوة” هو أشهى تمر في بلاد العرب.
نُشرت دراستُه القيّمة حول شمالي شبه الجزيرة العربية في مجلة الجمعية الجغرافية الملكية في لندن بالإنكليزية عامي 1852-1854. Journal of the Royal Geographical . Society
ومما يجدر ذكره أن والين كان الفنلندي الأول الذي حاضر في الجمعية المذكورة بتاريخ 22/4/1850. وهناك ترجمة عربية لذلك بقلم سمير شبلي ومراجعة يوسف يزبك. كما أن بعض المقتطفات من رسائل ڤلين ويومياته كانت قد رأت النور باللغة العربية أيضا.
يُعتبر ڤلين الرائد الأوروبي الحقيقي الذي وُفّق في الدخول إلى شمالي شبه الجزيرة العربية، كما أنه يعتبر أول باحث أوروبي قام بنشر نماذج من الشعر العربي وتقدّْر مدّة مكوثه في الشرق العربي بستّ سنوات، تعلّم خلالها ما تيسّر له من اللغة العربية وتعرّف على العادات والتقاليد ومن الصعب القول إلى أي مدى وصلت معرفته بهذه اللغة إلا أنه من الواضح أنه كان يستعمل اللهجة المحكية في رحلاته والسعوديون اليوم يكنّون له كل تقدير واحترام.
إن مسألة تأسلم ڤلين ما زالت غامضة وغير مؤكدة. هناك من يدّعي أنه تأسلم وأطلق على نفسه الاسم “عبد الوالي” ليتسنّى له زيارة شبه الجزيرة العربية. من جهة أخرى يتساءل المرء لماذا كُتب على قبره الاسم العربي المذكور ويقال إنه نوى الاقتران من بدوية من تيماء وأنه قبل موته ردّد العبارة “الحمد لله ثم الحمد لله”. من الجلي أن ڤلين لم يهتمّ كثيرا لا بالدين ولا بالسياسة. إنه لم يكنّ أي حبّ أو احترام للأتراك والفرس في حين أنه أحبّ العرب لا سيما البدو وكاد أن يصبح بدويا وعرف بين البدو بأنه طبيب مسلم من آسيا الصغرى. وكان حبُّه لهم نابعا من بساطتهم واستقامتهم ونزاهتهم كما أشار إلى ذلك في مناسبات عديدة. في حين أنه وجد أن المصريين في القاهرة، على سبيل المثال، خاملون وبعيدون عن النظافة. كما أنه من العسير فهم عقليتهم وشخصيتهم إذ أنهم سرعان ما يثورون ويحتدّون غيظا لأتفه الأسباب. زد إلى ذلك أنهم ليسوا أهل ثقة ولا بدّ من التحلّي بالصبر إزاءهم ومن يعيش بين ظهرانيهم ردحا من الزمن يصبح مثل أيوب صبرا.
من أعمال ڤلين “قصيدة الفارض”، هذه القصيدة الحائية من الأشعار الفارضية منقولة بشرحها من كتاب “كشف السرّ الغامض في شرح ديوان ابن الفارض” لصاحب المقام السامي الشيخ عبد الغني النابلسي الشامي مع ترجمتها باللاتيني للعبد الفقير جورج أوجست ولّين السؤمي، هلسنكي 1850. معنى “السؤمي” هو “الفنلندي” إذ أن اسم فنلندا باللغة الفنلندية هو Suomi وقد يكون ڤلين أول من استخدم اللفظة المذكورة بالعربية.
أطروحته الأولى كانت، كما أسلفنا، عن مقارنة الفصحى بالعامية، عام 1839، في جامعة سانت بطرسبورغ، أما أطروحته الثانية فكانت عن ابن الفارض. وفي هذا السياق لا مندوحة من الإشارة إلى أن الأستاذ الفذّ المرحوم يوسّي تنلي أرو (Jussi Taneli Aro, 1928-1983) كان قد أعدّ فهرسا بمخطوطات ڤلين، كما ونشر أرو بالاشتراك مع زميله الأستاذ أرْمَس سَلونِن مقتطفاتٍ من مذكرات ڤلين ورسائله تحت عنوان: “رحلات علمية بين العرب”.
تمتاز كتابات ڤلين بالدقّة والأمانة العلمية وهو من خير النماذج للمستشرق الأمين الموضوعي وطالب علم بحق وحقيق. يبدو أنه كان مغرماً بالبدو وبحياتهم ويقول عنهم في ص. 107
“وفي بدء عيشي بين العرب الرحّل دُهشتُ كثيرا لرؤيتي الصغار الذين تتراوح أعمارُهم بين ثلاث واثنتي عشرة سنة، يرافقون المسنين، ويُسمح لهم بمبادلتهم الحديث، ويُستشارون أحيانا في مواضيع تفوق مستواهم، فيُصغى إلى أقوالهم ويعيش الصغار مع أهلهم في محبّة وألفة. ولم أر في الصحراء تلك المشاهد الكريهة المألوفة في مصر، مشهد والد حانق يضرب ابنه، ولا رأيت الاستعباد الذي يلقاه صغار الأتراك إذ لا يسمح لهم بالجلوس أو الكلام في حضرة أبائهم المتعجرفين، ولم أر في العالم كله أولادا أكثر تعقّلاً وأحسن خلقا وأكثر طاعة لأبيهم من أبناء البدوي”.
من القبائل البدوية التي يذكرها ڤلين: التباها (بنو الرشيد والحكوك)، الترابين، الحويطات، العلاوين، الطوَرة، بنو العمران، الشرارات، عنزِة وتنقسم إلى الرولة (أو كلاس شعلان) والفُقْراء ووِلد سِلمان النايف، بنو صخر، المسعوديون، الحجّايا، الشمّر، عرب معازة، بنو عقبة، السعيدون، العُمّر، العباس، السلْمان، الهبوب، دربة، مناحي، أرمال.
عينة لهجية: أهل الحيط = أهل المدن؛ أهل الشعر = البدو؛ الصواني = كل الحيوانات المستعملة للري؛ نقرة الشام = حوران؛ مشلح = عباءة في الجوف؛ طاووس = تلال رملية في منطقة النفود؛ ءأولاد الشيخ = الوهابيون؛ بكّار، ج. بكاكير = كوخ مؤقت من الجريد وسقفه من الخوص.
في المتحف الوطني في هلسنكي بعض ما جلبه ڤلين معه من بلاد العرب وفي مكتبة جامعة هلسنكي مخطوطات المجلدات واليوميات العديدة التي سطّرها خلال رحلاته، ٣٤ كتابا و ١٩ مخطوطا. على قبره في مقبرة هيتانيمي (Hietaniemi) في هلسنكي مكتوب Georg Aug. Wallin وبالعربية “عَبْدُ ال وَالِى”.
سبق ڤلين في زيارة مكّة من الأوروبيين تسعة على الأقلّ. يبدو أن أولهم كان الإيطالي Ludovico de Varthema عام 1503. وقد عبّر المستشرق الفنلندي في رسائله عن رغبته الشديدة بمغادرة وطنه قاسي المناخ متوجها صوب بلاد العرب. كما ونوى ترك حياته الشاقة وهي تعليم الألفباء العربي للطلاب الشبان. الهدف من وجودي، قال ڤلين، العودة إلى الشرق لا سيما صحراء العرب. أراد ذلك الرجل أن يبحث عن ملجأ في البراري فارّاً من الجوّ الجائر، القارس والمعتم، في أوروبا. كان يبحث عن السلام والسكينة بعيدا عن الخداع والتفاهات وصلابة الأوروبيين ليعيش بدويا حرا طليقا ويلاقي وجه ربّه في آخر المطاف بين أبناء البيداء الأحرار الذين أحبهم وعمل جاهدا على جمع شعرهم. لم يتمكن ڤلين من تحقيق رحلته الجديدة إذ مات فجأة قبل أن “يطبق” من العمر واحدا وأربعين عاما إلا يوما واحدا. هناك في هلسنكي شارع يحمل اسمه منذ العام 1901.
وثمة نقطة هامّة لا مندوحة من ذكرها قبل إطراح القلم، وهي ما خطّه عبد الوالي في مفكرته أثناء مكوثه بضعة شهور في انجلترا عام 1850 بعد مغادرته لشبه جزيرة العرب وقبيل رجوعه إلى أرض الوطن. لقد سجّل عبد الوالي هذه الملاحظة إثر لقائه بعربي في لندن: “ما أحمقني! إني عند سماعي لتلك الأصوات المألوفة والغالية تمثلت كل صور البيداء ورموزها في مخيلتي، والآن لا أعلم أيهما أحِبّ أكثر لغة أمي والشعب الفنلندي أم العرب ولغتهم”. وفي موضع آخر كتب والين في مستهل العام ١٨٥١ ما معناه:
”كم أتوق الآن أكثر من أي وقت مضى أن استبدل مناخ وطني الثقيل الوطأة والحياة المرهقة التي أنا مجبر عليها هنا (كأستاذ للعربية أدرس الطلاب مبادىء الهجاء). . . طموحي في هذا الوجود أن أتمكن من العودة إلى الشرق وبالتحديد إلى الصحراء العربية. يمكنني العودة هناك كرحالة أوربي لأستكشف علميا المناطق المجهولة في بلاد العرب وأقدم نتائج أبحاثي للدوائر الأكاديمية في العالم الغربي، وأخص بذلك الجمعيات العلمية في لندن. أو لربما أذهب إلى هناك لللاستجمام والترويح عن النفس، للبحث عن ملاذ في فيافي الصحراء من بيئة أوربا الخانقة، لأجد السلام وراحة البال بعيدا عن التفاهات والزيف والعجرفة التي اعتاد عليها الغربيون، لأعيش بدويا حرا ثم أموت وأدفن بين أبناء البادية الأحرار."
في خاتمة هذه العُجالة عن المستشرق الفنلندي ڤلين الذي يستحقّ دراسة مستفيضة بالعربية، لا بد من تسليط الضوء على نقطة ذات بال تجلّت في شخصيته وبحثه العلمي ونقطة أخرى هي بمثابة عبرة وعظة لمن يتّعظون ذات يوم إما خفية وإما علانية وجهرا. لقد أحبّ ڤلين موضوع بحثه، اللغة العربية والحضارة العربية، واحترم أهلها فما تعلّمه علما وعملاً للغة الضاد بشقيها الرئيسيين، الفصحى والعامية، إلا خير دليل قاطع على ما نرمي إليه. كان ذلك قبل أكثر من قرن ونصف من الزمان، إذ لا يمكن للباحث الحقيقي، وكم بالحري بالنسبة للأستاذ الجامعي، أن يصل إلى فهم شامل وعميق لحضارة العرب دون السيطرة التامّة على اللغة العربية بمهاراتها الأربع، الإصغاء والتكلم والقراءة والكتابة ومن ثم التعرف الجدي والمباشر على عاداتهم وتقاليدهم في شتّى مناحي الحياة.
في مقدور شخص معيّن أن يقوم بترجمة نص عربي قديم إلى لغة أمّه دون أن يكون قادرا على التفوّه بجمل معدودة حتى ولو كانت ركيكة “وعرجاء” إذ أن مِِِهنة ذلك الشخص هي الترجمة إلى لغة أمّه وقد يكون مترجما ناجحا أو فاشلا أو ما بين هذا وذاك ولا يتصوّر أيّ عاقل حتى في أحلام اليقظة أن مثل هذا الانسان يصلح لتدريس لغة حية معينة ناهيك عن لغة عريقة وثرية كاللغة العربية.
تسنّى لكاتب هذه السطور أن يلتقي للمرة الأولى بأستاذ اللغات السامية في جامعة هلسنكي، المرحوم يوسي أرو، في عمارة بورثانيا قبل أربعة عقود ونيف. الحق يقال إنني لم أصدّق أذنيّ أن محدثي كان أجنبيا على الإطلاق، إذ أنه تحّدث بالعربية العامية الفلسطينية معي بطلاقة ابن اللغة القح. وإنصافا للمرحوم أرو علينا أن ننوّه أن اكتسابه للغة العربية والتمكن منها كانا ثمرة باحث فذّ عصامي يحترم نفسه أولا وقبل كل شيء ويحترم اللغة العربية مكتوبة ومحكية وحضارتها قديما وحديثا. لم يكن ذلك العلم نتيجة شرط في السياسة الأكاديمية يقضي بأن على الأستاذ الجامعي أن يجيد اللغة التي يدرسها علما وعملا فمثل ذلك لا وجود له وللأسف، وقد لا يعلم الكثيرون هذه المعلومة، بل تلبية لما يتطلبه الواقع والضمير الحيّ. إن التكلم عن اللغة العربية شيء والتحدث بها شيء آخر وشتّان ما بينهما، سؤال ملحاح يطرحه رجل الشارع البسيط والأكاديمي البارع على حدّ سواء: ما هي الوسيلة السحرية التي يستخدمها أستاذ جامعي في تدريس لغة حيّة لطلابه وهو عاجز كل العجز عن التكلم بها، بل كيف يمكن أن يكون قدوة حسنة للجيل الصاعد. يُقال في اللهجة الفلسطينية “عيش كتير بتشوف كتير”، “التلم لِعْوج من التور لِكْبير”. وقد يكون من الملائم الإشارة إلى أن القدرة على إلقاء الخطابات باللاتينية كانت من المهارات الأساسية لكل شخص متعلّم في القرن السابع عشر في توركو وشتّان ما بين اللاتينية آنذاك قبل ثلاثة قرون ولغة الضاد اليوم في القرن الحادي والعشرين.
رحِم الله القدير ڤلين وأرو ومنّ على عروس البلطيق بضئضئي بارّ لهذين الجهبذين في لغة الضاد وأدابها وثقافتها في المستقبل المنظور خدمة للعلم والمعرفة في بلاد الشمال وديار العرب أجمعين. توافق هذه السنة ذكرى المائتين على ولادة والين ولما يولد بعد من يشبهه ولو قليلا في بلاد الشمال هذه فأستاذ لغة الضاد والدراسات الإسلامية اليوم يتكىء على المصادر المكتوبة ولا علاقة له ببني يعرب لا من قريب ولا من بعيد لعدم قدرته على التحدث بلغتهم أو الكتابة بها فكل شيء لديه يتم في نطاق النقل ثم النقل ثم النقل من العربية إلى الفنلندية.






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبير البرازي
مديرة
مديرة
avatar

عدد المساهمات : 7174
تاريخ التسجيل : 02/03/2010
الموقع : http://elsoumoudelcharif.mescops.com

مُساهمةموضوع: رد: جورج أوغست والين (عبد الوالي، 1811-1852)   الأحد نوفمبر 13, 2011 7:04 pm




حضرة أ . د

حسيب شحادة المحترم


اشكرك لمنحنا هذاه الدراسة الجميلة

عن المستشرق السميدع برحلته الطويلة وما منحه من تزاوج وتلقيح ثقافي للغتنا العربية

وللامة جمعاء

كنت اقرأ سيرته العاطرة وينتابني تأمل لروعة روحه

فاين نحن الان من هؤلاء الجهابذة

حقا استمتعت وارتعت برياضك وتظللت بوارف علمك

دمت لنا اديبنا السامق وما حرمناك

مودتي مع فائق الاحترام


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elsoumoudelcharif.mescops.com
 
جورج أوغست والين (عبد الوالي، 1811-1852)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الصمود الحر الشريف :: Votre 1ère catégorie :: منتدى jalili الأستاذ الدكتور العالم البروفيسور حسيب شحادة-
انتقل الى: